**قصةُ التنمُّرِ وأضرارِه**
في قريةٍ جميلةٍ تُدعى «وادي الورد»، عاش صبيٌّ يُدعى كريم. كان كريم ولدًا قويًّا، سريعَ الحركة، ويحبُّ أن يكون مركزَ الاهتمام دائمًا. كان أصدقاؤه يتبعونه في اللعب، لأنه ماهرٌ في كرة القدم، ويروي قصصًا طريفة. لكنَّ كريمًا كان له جانبٌ سيِّئٌ خفي: كان يُمارس التنمُّر على بعض الأطفال، خاصةً من هم أضعف منه أو مختلفون عنه.
كان في الصفِّ نفسه ولدٌ هادئٌ يُدعى ياسر. كان ياسر نحيفًا، يرتدي نظَّاراتًا سميكة، ويحبُّ القراءةَ أكثر من اللعب الشديد. يتكلَّم بصوتٍ منخفض، ويبتسم دائمًا، لكنه لا يجرؤ على المشاركة في الألعاب العنيفة. وهذا ما جعل كريم يستهدفه.
بدأ الأمر بكلماتٍ بسيطة. في فناء المدرسة، صاح كريم أمام الجميع: «انظروا إلى ياسر النحيف! يمشي كالسلحفاة! هل تخاف أن تكسر نظَّاراتك يا خائف؟». ضحك بعض الأولاد، وشعر ياسر بحرقةٍ في صدره، لكنه سكت وعاد إلى كتابه. في اليوم التالي، أخفى كريم كرة ياسر الجديدة، وقال له: «إذا أردتَها، اركض خلفي وأنت تصرخ: أنا السلحفاة البطيئة!». بكى ياسر في الزاوية، ولم يخبر أحدًا.
مع مرور الأيام، ازداد التنمُّر. كان كريم يمنع ياسر من اللعب معهم، ويقول: «لا نريد ضعيفًا مثلك، ستُفسد اللعبة». وفي أحيانٍ أخرى، يدفعه دفعًا خفيفًا أمام الآخرين حتى يسقط، ثم يضحك ويقول: «قم يا فتى الورق!». بدأ ياسر يخاف الذهاب إلى المدرسة. كان يستيقظ كلَّ صباحٍ ويشتكي من ألمٍ في بطنه، فيقول لأمِّه: «لا أريد الذهاب اليوم». أمُّه تظنُّ أنه مريض، فتتركه في البيت أحيانًا.
أما كريم، فقد شعر بالقوة والسيطرة. كان يرى أنَّ الجميع يخافونه، فيزداد تنمُّرًا. ذات يوم، رأى فتاةً صغيرةً تُدعى لينا ترسم لوحةً جميلة في الحديقة. سخر من رسمها وقال: «هذا رسمٌ قبيحٌ مثلكِ!». بكت لينا ومزَّقت اللوحة. وفي يومٍ آخر، تنمَّر على صديقه السابق عمر لأنه دافع عن ياسر، فقال له: «أنت أيضًا أصبحت ضعيفًا مثله!».
بدأت الصداقات تتفكَّك. كان بعض الأولاد يضحكون في البداية، لكنهم شعروا بالذنب تدريجيًّا. أصبحوا يلعبون وهم خائفون أن يصبحوا هدفًا جديدًا لكريم. أما ياسر، فقد أصبح منعزلًا تمامًا. توقَّف عن القراءة، وفقد شهيَّته للطعام، وكان يبكي كثيرًا في سريره ليلاً. انخفضت درجاته في المدرسة، وأصبح يتجنَّب حتى الحديث مع أخيه الصغير.
ذات يومٍ كبير، جاءت رحلةٌ مدرسية إلى الغابة القريبة. كان الجميع متحمِّسين. أثناء اللعب، وقع كريم في حفرةٍ عميقة مليئة بالطين بعد أن ركض بسرعة كبيرة. صاح: «ساعدوني! أنا عالق!». ركض الأولاد، لكنَّ أحدهم قال: «دعوه، فهو دائمًا يؤذي الآخرين». تذكَّر ياسر كلَّ ما فعله كريم به، لكنه مع ذلك أسرع نحوه. مدَّ يده الصغيرة وقال: «امسك يدي يا كريم، سأساعدك». ساعده ياسر وعدة أولاد آخرون حتى خرج كريم ملطَّخًا بالطين.
في طريق العودة، سكت كريم طويلاً. عندما وصل إلى البيت، روى لأبيه ما حدث. قال له أبوه بحزم: «يا بني، التنمُّر ليس قوة، بل ضعف. أنت تؤذي قلوب الآخرين، وفي النهاية ستفقد كلَّ من حولك. انظر إلى ياسر الذي ساعدك رغم كل ما فعلته به، هذا هو الشجاع الحقيقي».
في اليوم التالي، وقف كريم أمام الصفِّ كلِّه. كان صوته مرتجفًا: «أنا آسف يا ياسر. كنتُ ظالمًا لك، ولسنا وللينا ولعمر. التنمُّر يجعل الآخرين يحزنون ويخافون، وقد يمنعهم من أن يصبحوا أصدقاء جيدين أو يتعلَّموا ويفرحوا. أنا الآن أفهم أنني كنت أخسر أصدقائي الحقيقيين بسبب تصرُّفي السيِّئ. أعدكم أن أتغيَّر».
بكى ياسر من الفرح، وقال: «أسامحك يا كريم». عاد الصفُّ يلعب معًا، لكن بقواعد جديدة: من يتنمَّر يُوبَخ من الجميع، ومن يدافع عن الضعيف يُشكَر. أصبح كريم يساعد ياسر في الرياضة، وأصبح ياسر يعلِّم كريم بعض القصص الجميلة. ازدادت صداقتهما، وأصبح الجميع أكثر سعادةً ورحمةً.
**والعبرة:**
التنمُّرُ جرحٌ في القلب لا يُرى، لكنه يؤلم كثيرًا. يجعل الضحيَّة حزينةً وخائفةً ومنعزلة، وقد يؤثِّر على دراسته وصحَّته وحتى مستقبله. أما المتنمِّر، فيخسر ثقةَ الناس وحبَّهم، ويصبح وحيدًا في النهاية.
القوةُ الحقيقية ليست في إيذاء الآخرين، بل في حمايتهم ومساعدتهم. فإذا رأيتم أحدًا يُتنمَّر عليه، دافعوا عنه. وإذا كنتم تغلطون في التنمُّر، توقَّفوا فورًا واعتذروا، فالاعتذار الصادق يُصلح القلوب.
أيها الأطفال الأعزَّاء، كونوا رحماءَ بعضكم ببعض، فالله يحبُّ الرَّحماء، والناسُ يحبُّون من ينشر الفرح والأمان.
انتهت القصة بحمد الله. 🌸




